الشيخ عبد الله البحراني

422

العوالم ، الإمام جعفر الصادق ( ع )

احمله على فاره « 1 » من دوابّي الّتي أركبها ، وأعطه عشرة آلاف درهم ، وشيّعه إلى منزله مكرّما ، وخيّره إذا أتيت به إلى المنزل ، بين المقام عندنا فنكرمه ، والانصراف إلى مدينة جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فخرجنا من عنده وأنا مسرور [ فرح ] بسلامة جعفر عليه السّلام ، ومتعجّب ممّا أراد المنصور ، وما صار إليه من أمره . فلمّا صرنا في الصحن ، قلت له : يا ابن رسول اللّه ! إنّي لاعجب ممّا عمد إليه هذا في شأنك « 2 » ، وما أصارك اللّه إليه من كفايته ودفاعه ، ولاعجب من أمر اللّه عزّ وجلّ ؛ وقد سمعتك تدعو عقيب الركعتين بشيء لم أدر ما هو ، إلّا أنّه طويل ؛ ورأيتك قد حرّكت شفتيك هاهنا - أعني الصحن - بشيء لم أدر ما هو ؟ فقال لي : أمّا الأوّل فدعاء الكرب والشدائد ، لم أدع به على أحد قبل يومئذ ، جعلته عوضا من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي ، لأنّي لم أترك أن أدعو ما كنت أدعو به . وأمّا الّذي حرّكت به شفتي ، فهو دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يوم الأحزاب ( ثمّ ذكر الدعاء ) . ثمّ قال : لولا الخوف من أمير المؤمنين لدفعت إليك هذا المال ، ولكن قد كنت طلبت منّي أرضي بالمدينة ، وأعطيتني بها عشرة آلاف دينار ، فلم أبعك وقد وهبتها لك . قلت : يا ابن رسول اللّه ! إنّما رغبتي في الدعاء الأوّل والثاني ، فإذا فعلت هذا فهو البرّ ؛ ولا حاجة لي الآن في الأرض . فقال : إنّا أهل بيت لا نرجع في معروفنا ، نحن ننسخك الدعاء ، ونسلّم إليك الأرض ، صر معي إلى المنزل ، فصرت معه كما تقدّم المنصور ، وكتب لي بعهدة الأرض ؛ وأملى عليّ دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأملى عليّ الّذي دعا هو بعد الركعتين [ الّذي أوّله : اللهمّ إنّي أسألك يا مدرك الهاربين . . . ] قال : فقلت : يا ابن رسول اللّه ! لقد كثر استحثاث المنصور [ لي ] واستعجاله إيّاي ، وأنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهّلا كأنّك لم تخشه ؟ ! قال : فقال لي : نعم ، قد كنت أدعو به بعد صلاة الفجر ، بدعاء لا بدّ منه ؛ فأمّا الركعتان فهما : صلاة الغداة خفّفتهما ، ودعوت بذلك الدعاء بعدهما . فقلت له : أما خفت أبا جعفر وقد أعدّ لك ما أعدّ ؟ !

--> ( 1 ) دابّة فارهة : أي نشيطة قويّة . ( 2 ) « بابك » م ، ع ، ب وما أثبتناه من خ ل .